في هذا المناخ عاشت (المثقفة)، منطلقة من أسرة موسرة مشروخة بخيانة الأم للأب والتي أبتلعها غصبا عنه خوفا على مستقبله أطفاله، وكونها الابنة الأصغر غير الجميلة والتي لا تلقى أي اهتمام من المحيطين بها- حدثتني مرة أنها اعتادت وهي طفلة أن تدخل على ضيوفهم عارية تماما- وهو تكنيك لأحداث صدمة جالبة للاهتمام، لم تكن جميلة، على الإطلاق، كان يسكنها اعتقاد غير مبرر بأنها جميلة ومثيرة وجذابة، لم تكن فقط غير جميلة، كانت موهوبة في تشويه مظهرها، وهو سلوك أصيل للمثقفة المصرية-إلا من رحم ربي- ولتعميم الفائدة أثبت هنا سطورا من الكتاب السري ( دليل المرأة الألمعية لتصبح مثقفة لوذعية)
أعلمي أختي الألمعية أن طريق الحصول على لقب ( مثقفة لوذعية) هو سهل ميسور وقد تذللت لكي صعابه ومهدت لكي هضابه ووهاده وأعلمي أن أول ما يدخلك بتلك الزمرة المحظوظة هو مظهرك لا مخبرك فإبدائي به إن شئت بسعيك الفلاح والنجاح
أولا : شعرك إياك أن تصففيه أما المشط فقاطعيه، وإياك والوقوع في استخدام الشامبو والبلسم والكريمات وما لا يلزم، بل حتى الصابون انبذيه وشعرك إياك أن تغسليه خاصة إذا ما كان الله قد منحك فيه كرتة شائكة ونكشه فائقة، فاتركيه طليقا ملبدا وإياك وغسله وإن كان لابد فإياك وتجفيفه بل أتركية فريسة للهواء يسمع فيه حفيفه.
ثانيا: أعلمي أيتها المرأة النجيبة أن أزين الزينة الماء فحذار مساحيق التجميل ويحبذا لو تقشف وجهك وتشققت شفتاك، أما لو أسرفت في السهر والتدخين فتحلق عيناك بالسواد وتربعتا على أكياس نفخاء فهو المطلوب والمرام، وإياك والتجمل فهو ينزع عنك طابع الجدية.
ثالثا: الحموم وضرره على مظهرك المثقف اللوذعي معلوم فانبذيه وتجنبيه، فتكون لكي رائحة فواحة وبها تشتهرين وبحضورها تعرفين خاصة في أيام الصيف القاهرية الحارة فاتركي الرطوبة تكوم عليك طبقات وطبقات من تراب القاهرة وتلوثها فيكون لجلدك لونها الكالح وطابعها.
أعزائي القراء تلك كانت مقتطفات من ذلك الكتاب السري مجهول المؤلف أو المؤلفين و(مثقفتي) العزيزة لو لم تكن مؤلفته فهي على الأقل قرأته ودرسته بعناية وطبقت كل تعاليمه حرفيا وبتشدد متطرف، وأضافت أليه فصل خاص باسمها عن كيف ترتدي المثقفة ملابس لا تليق أطلاقا بها أو بتكوين جسدها، تخيل أن تخرج امرأة معك، امرأة مثقفة لا تكف عن ترديد كيف أنها شاعرة وكاتبة مرموقة وهي مؤمنة أنها(مُزة) مثيرة يتهافت عليها العشاق، إضافة إلى ذلك فتلك المرأة المثقفة لا تتوقف كذلك عن ترديد أنها تحبك - مع الوضع في الاعتبار أنها لا تتوقف عن مغازلة رجال آخرين – ولا تتوقف عن أن تقول للآخرين –كاذبة طبعا – أنكما متزوجين – مع الوضع في الاعتبار أن هؤلاء الآخرون هم أصدقائي والذين يعرفون أنها تغازل رجال آخرون، حسنا هذه المرأة التي هي كل ما ذكرت أعلاه حين تقرر أن نخرج سويا – هي تقرر منفردة ولا تنتظر موافقتي – فإنها لا تفكر على الإطلاق في تصفيف شعرها الذي تتركه متناثرا خلف رأسها كذيل ديك إصابته صاعقة كهربائية، ثم تفرحني متباهية بأن التي شرت الذي ترتدي لديها منذ كانت بالمدرسة الإعدادية، ثم ترتدي تنوره – لا أعرف كلمة أخرى لوصفها – فهي تبدو كجزء من ستارة تم تخييطها على شكل أسطوانة وإضافة (أستك) وإذا ما عرفتم أعزائي القراء أنها قصيرة جدا مع امتلاء غير طبيعي بنصفها السفلي فلكم أن تتخيلوا المأساة التي عشتها في تلك (الخروجه) ، أتمنى أن تكون الإنترنت متوفرة حيث (أروى ) الآن لتعرف أي مأساة يعيشها من يرتبط بعلاقة مع مثقفة مصرية – وأنا لم أكن حتى معترفا حقيقة بوجود علاقة بها.
( مشهد رقم 1)
نهار داخلي
المكان: القطار المتجه من القاهرة للإسكندرية
الأشخاص: الكاتب و(المثقفة)
يقفان فى الفسحة ما بين عربتي قطار حيث التدخين مسموح
المثقفة تخرج علبة سجائرها وتشعل سيجارة وتحدق من نافذة باب القطار ولا تحرك عينيها عنها كأنما الشخص الأخر غير موجود تبدأ حوار غير واضح بسبب ضجيج القطار، تهرف بحكاياتها الخرافية التي لا تنفذ بداية من أول علاقة لها مرورا بكل علاقاتها الجنسية التالية وبتفاصيل دقيقة و متنوعة ( ملحوظة: لوقت طويل كنت أتجنب لقاء عدد من الكتاب والمثقفين لألا أنفجر في الضحك لتذكري ما حكته لي عن أدق خصوصياتهم) الكاتب يبدو (منفوخا) وغير مهتم على الإطلاق، وهي مستمرة في التحديق الأبله بالفراغ، مع الوضع فى الأعتبار أنها تحدق هي الأخرى من نافذة باب عربة القطار ولا تعيره أي أهتمام بل فقط تستمر في التهريف أو التأليف، فتلك كانت من أهم صفاتها، أنها تؤلف على نفسها، يعنى مش على الورق أو على الكي بورد أنما تأليف شفوي واقعي تسرى به في الحياة، كأنما لا تعيش حياتها بل تؤلفها، صانعة من كل فعل مشهدا دراميا ومن كل ذكرى تافهة موقعة تاريخية، حاجه تعل بجد، كأنما أقرأ دائما وأنا معها فصول من رواية فرنسية حديثة مملة ومليئة بالأحداث التي لا تتطور ولا تصل لهدف، المهم ألقت المثقفة قنبلتها الكبيرة أو الأكبر وحدثتني عن السر الرهيب في حياتها – أكتشفت فيما بعد أن نصف سكان القاهرة والأقاليم يشاركونني تلك المعرفة السرية المقدسة – ذلك السر هو حملها سفاحا دون أن تكون قادرة على تحديد الأب الحقيقي للكائن برحمها، وأضطرارها لأجهاض ذلك الجنين الذي قررت أنه كان أبنة ، ثم قررت الغناء ونحن بالقطار تحية لتلك الأبنة المغدورة فأصدرت ما يشبه عويل قطة تتصارع مع أفعى، طبعا ساعد صوت القطار على أخفاء ذلك العويل الموسيقي الذي يجمد الدم بالعروق، الكاتب يتخيل إن كان يمكنه أن يفتح باب اعربة القطار ويلقيها خارجه أو يلقي نفسه ويستريح. نهاية المشهد
طبعا قصة الجنين المجهض تم حكايتها لعشرات المرات بعد ذلك وبتفاصيل مختلفة- أحيانا متناقضة – ولأنني أتمتع بذاكرة من فولاذ لا انتقائية أبدا فأنا قادر على تذكر أي تخريف غث يصبه شخص بأذني مهما طال الزمن، لذلك كلما كانت تعيد رواية قصتها الأثيرة تلك كنت أسلي نفسي بالمقارنة ما بين النسخة المحفوظة بعقلي، وتلك التي تعيد تأليفها على أذني، طبعا أي اعتراض من أي نوع على أي تخريف يوحى به أليها ستكون نتيجته صراخ هستيري وسط الشارع وربما حالة تخشب أطراف هستيري، وطبعا فضيحة ومنظر يكسف قدام الناس، تلك القصة المأساوية الرهيبة عن فتاة يغرر بها أحد الذئاب البشرية ولا يفقدها أثمن ما تملك- حيث أنها فقداه من زمان- وتقوم هي بالتغرير بذئب أخر – أو أخرون – وتنتهي هذه (العكة) بحمل سفاح يتم إجهاضه، ثم استعمال هذه الحكاية كوسيلة للابتزاز العاطفي أو ألقاء هالة كاميلياوية – نسبة لغادة الكاميليا – على الذات، مصيبه.
طبعا الحكايات لا تنتهي لكنني أشعر بالملل – وأتمنى ألا تكونوا- كما شعرت بالملل وقتها، ملل مراقبة أنسان يحيل الحياة إلى عمل أدبي وليس العكس، كائن يعيش فى أكذوبة مركبة، أكذوبة القدرة على الأبداع، وأكذوبة أختلاق حياة وشخصية، وأكذوبة أن الهستيريا المرضية موقف فكري، وأسطورة أن (يغمة ) النشر بوزارة الثقافة تمنحك صك الإبداع، وأكذوبة أن أشلاء جيلي الستينيات المسحوق والسبعينيات المحبط قادرة على أطلاق حياة ثقافية أو أدبية من أي نوع، وأكذوبة حركة أدبية منغلقة على الذات تدعي القدرة على منح بعضها البعض شرعية من أي نوع.
والحق أقول أنها لم تكن حالة خاصة أو شاذة بالحركة الأدبية بالتسعينيات، بل كانت واحدة من كثيرون وكثيرات أستبدلوا الورقة بالحياه، أصبحوا يأتون للورق لكي يأكلوا ويناموا ويمارسوا الجنس بل وليخرجوا أحيانا ، أصبحت الورقة الفراش والمرحاض والوجود كله، مزيفون بلا حدود ، وقادرون على أيجاد السماسرة الذين روجوا لهذا الزيف بأعتباره أبداعا حقيقيا عسى أن يمكنهم سرقة بضع أعوام أخرى من زمن صلاحية وجودهم كمثقفين!
ربما اعود للموضوع وربما لا افعل.
