Wednesday, January 09, 2013

الاخوان...نمر من ورق


ينشر هذا المقال مترجما إلى الفرنسيه في مجلة البديل التحرري الأناركيه الفرنسيه


الحكمه القديمه
كانت بداية التسعينيات من القرن الماضي، هي ذروة تسلط ونفوذ التيار الفاشي الديني في مصر، فهم يسيطرون على مجالس إدارات الأغلبية الساحقة للنقابات المهنيه، وأتحادات الطلاب الجامعيه تخضع لسيطرتهم المطلقه، التي وصلت حتى لأتحادات طلاب المدارس الثانويه، من الناحيه الاقتصاديه كانت أمبراطورية (شركات توظيف الأموال) الإسلامية ما زالت راسخة رغم الهجمات الحكومية التشريعية عليها، أمنيا كان نظام مبارك يخوض بيأس ووحشية حربا أهلية غير معلن عنها ضدهم لا في جنوب مصر الغارق في العشائرية والتخلف الاقتصادي فقط، بل وفي وسط القاهرة نفسها وهو ما بلغ ذروته بأغتيالهم لرئيس مجلس الشعب القوي (رفعت المحجوب) في أكتوبر 1990، بينما نشر أغتيالهم للمفكر الليبرالي فرج فوده بصيف 1992 الرعب والذعر وسط الجماعه المثقفه، التي أدركت أن تكلفة معارضتهم قد تكون الحياة نفسها، وقتها كان اليسار المصري المنهار نفسيا وتنظيميا بتأثير زلزال تفكك الاتحاد السوفيتي في أسوأ حالاته، كان الجميع يتوقع سيطرة التيار الإسلامي على الحكم ما بين لحظة وأخرى، الجميع ما عدا أحد قدامي الماركسيين وأقلهم شعبية في مصر، رفعت السعيد، الرئيس الدائم لحزب التجمع اليساري الذي كان رأيه أن التيار الإسلامي طالما أستطاع أن يصل لهذا المستوى من السيطره دون أن يستطيع قلب نظام الحكم القائم والوصول للسلطه، فإنه لن يستطيع أبدا الوصول للسلطه، بكلماته نفسها: مش حيحكموا أبدا، وقد كان ذلك الثعلب العجوز على حق، وما زال، فرغم سيطرة الاخوان على منصب الرئاسة والمجلس التشريعي، ما زالوا عاجزين تماما عن السيطرة على الدولة، ما زالوا لا يحكمون.

سقوط الأسطوره:
منظمين جدا، تنظيمهم حديدي، كوادرهم لا تعد ولا تحصى، الجماعة مزدحمة بأساتذة الجامعه والنخبه العلميه والفكريه، أستراتيجيتهم واضحه، يزرعون عناصرهم في كل مفاصل الدوله، تلك كانت بعض الأساطير التي روجت لعقود طويلة عن الأخوان المسلمين وانسحبت بالتبعيه على بقية فصائل التيار الديني، تلك كانت الأساطير التي صدقناها وروجنا لها حتى ونحن نعادي التيار الديني ونخوض الصراع المرير الطويل ضده، إلا أن تلك الأساطير التي تراكمت عبر ثمانية عقود من عمر جماعة الاخوان المسلمين تلاشت خلال شهور قليله من حكمهم المضعضع، فظهروا عشوائيين، غير منظمين، يتناقضون داخليا وتخوض قياداتهم صراع دائم فيما بينها ، عاجزين بشكل واضح حتى عن تكوين وزارة إخوانية كامله، يعانون من فقر مدقع في الكوادر السياسية أو التكنوقراطيه، يفتقدون لأي برنامج سياسي أو اقتصادي واضح، مرتبكين سياسيا وحركيا، حتى تنظيمهم الحديدي المرهوب الجانب المبني على السمع والطاعة ظهر بوضوح زائفا أجوفا، فأي تنظيم ذلك الذي يحتاج لكي يحشد عناصره لنقلهم بأتوبيسات فاخره من بيوتهم لمكان الحشد مغريا اياهم بوجبة طعام ومقابل مالي؟ هؤلاء ليسوا كوادر حزبيه تخضع لمفهوم السمع والطاعه والإلتزام الحزبي، بل هواة مأجورين لا يركن لولائهم وإلتزامهم، حتى شعبيتهم المزعومة في الشارع تتأكل بسرعة مدهشه، والسخط الذي جمعه مبارك خلال 30 عاما، أستطاع الأخوان أن يجمعوا مثله في أقل من 7 شهور من حكمهم، فالجميع تقريبا ضدهم، الرأسماليين والعمال، أهل المدن وأهل الحضر، المثقفين والأميين، الجميع ساخط عليهم ورافض لهم بدرجة أو بأخرى، وهو ما يبدو غريبا بالنسبة لتنظيم سياسي صنف دائما بأعتباره يمين سياسي معبر عن مصالح البرجوازيه، فلم تعاديه تلك البرجوازيه بشراسة أشد حتى من عداوة الطبقات الشعبية له؟

تنظيم سياسي أم عشيرة مافيا؟
عادة ما يرتكز أي تنظيم سياسي على قاعدة طبقية أو دينيه أو جهويه أو عرقيه تقولب وتشكل طرحه السياسي، فإذا ما طبقنا هذه القاعدة على تنظيم الإخوان المسلمين فإننا نجده بلا اي تمايز عرقي أو جهوي أو ديني عن الأغلبيه الساحقه من الشعب المصري، ولا حتى تمايز مذهبي داخل الإسلام السني الاشعري رغم كل محاولات حقنه بالفكر السلفي الوهابي، فلا يبقى له إلا الإنتماء الطبقي، والحقيقة أن أغلبية المحللين اليساريين – حتى المتحالفين معه- يصنفون الاخوان المسلمين كتنظيم يميني منحاز للرأسمالية والبرجوازيه، إلا أنني أختلف معهم في ذلك، فرغم أن البنية الأساسية للتنظيم تقوم على نخبة من كبار الرأسماليين فوق قاعدة من البرجوازية التجارية الكبيره والمتوسطه والناشطه في المجال الخدمي اساسا، إلا أن اشد أعداء الاخوان السياسيين ضراوة هم التنظيمات السياسيه المعبرة عن الراسمالية المصريه ورجال الأعمال، مثل حزب الوفد اليميني المحافظ، وتحالف جبهة الأنقاذ خاصة بعد أندماج حزمة من الأحزاب اليمينيه في مكونه الرئيس (حزب الدستور)، إضافة طبعا لبقايا الحزب الوطني الذي يرمي رجال أعماله بكامل ثقلهم خلف حركات (ثورية) مزعومه لا تتوقف عن الهجوم على الأخوان، كما لا يفوتنا صراعهم مع الكتلة الاقتصادية العسكريه التي أستغلت قوتها الساحقه في افشال خططهم بالاستثمار في سيناء ، على الناحية الأخرى نرصد سلوك الأخوان مع شركة (سوبريما) الفرنسية المصرية التي أنسحب الشريك الفرنسي منها لخلاف مع الحكومه حول أحقيته في الحصول على مواد خام مدعومه فأنهارت الشركه وتشرد عمالها، وتضع جماعة الأخوان ضغوطا كبيرة على وزارة البترول لتعيين عمال الشركه في مؤسسات أخرى بقطاع البترول، فهل الأخوان جماعة منحازة للعمال؟ الحقيقه لا، وعلى الإطلاق وهنا تظهر بقعة ضوء كاشفه، حين نعلم أن أغلبية عمال سوبريما ينتمون لجماعة الأخوان،- وهي حالة نادره تكاد تكون فريده- لذلك يحوزن أهتمامها ورعايتها بينما الاف العمال لعشرات الشركات المنهاره يتشردون دون أن يحوزوا أي أهتمام أو رعايه، فالأخوان في رايي كجماعه ليس لهم أنحياز طبقي، فهم مع الرأسماليه الإخوانيه، ومع العمال الأخوانيين، ومع البرجوازيه التجاريه الإخوانيه، وهم ضد الرأسماليه والعمال والفلاحين والبرجوازيه لو ليست إخوانيه، إن أنحيازهم في الحقيقه حزبي أو عشائري، هم منحازون لأنفسهم فقط كتنظيم، هم مع العمال ضد الراسماليه لو كان العمال أخوان، ومع الرأسمالي ضد العمال لو كان الرأسمالي أخوانيا، وهم بذلك يفقدون تصنيفهم كتنظيم سياسي ويصبحون اقرب لتنظيم مافيوزي أو ماسوني، يعمل لمصالح المنتمين إليه فقط دون الأرتكاز على اي تصنيف أخر، وهنا مصدر ضعفهم الشديد وحتمية سقوطهم، فهم منعزلون، مغلقون، عاجزون أو راغبون عن إقامة أي تحالف طبقي أو سياسي طويل المدى، لا يعرفون سوى أسلوب أستغلال القوى السياسيه الأخرى ونبذها عند أقرب منعطف.
النظام ذو الالف وجه :
يخطىء من يتخيل سقوط نظام مبارك أو حتى خلخلة أسسه، فنظام الدولة السلطوية القمعية الفاسده ما زال حيا وفاعلا، ينهض كل صباح ليذهب لعمله ويمارس نفوذه ويدعمه ويراكم أرباحه ومكاسبه، نظام هو تحالف واسع ما بين الرأسمالية الخدمية التابعه والمجمع الاقتصادي العسكري مرتكزا على هيكل بيروقراطي عملاق ومعقد يتجاوز عدد العاملين به خمسة ملايين، هذا النظام يعتمد في أستقراره على فهم دقيق لمناطق النفوذ بين أجنحته، التي قد تتقاطع أو تتصارع لكنها لا تجور على بعضها البعض، وما اسقط مبارك وعصبته من الليبراليين الجدد إلا لمحاولته التعدي على ذلك التوازن ومنح الراسمالية الطفيلية قطعة من كعكة المجمع الاقتصادي العسكري، والمؤسف أن أشد منافسين وأعداء الاخوان قوة وشراسة هم نظام الدولة القديم نفسه، فالحزب الوطني رغم إلغائه كتنظيم سياسي ما زال باقيا وفاعلا كعلاقات أجتماعية ومصالح أقتصاديه وتكتلات سياسيه وهو يرى الأخوان راغبين عن التحالف معه طامعين في أحتلال موقعه ، والمؤسسة العسكريه ترد بقسوة وفجاجة على أي أنتقادات توجه لقيادتها السابقه حتى لو أتت من فضيلة المرشد نفسه، والداخليه تظهر تمردا واضحا ورفضا للخضوع لأوامر السادة الجدد ونفورا من أن يستغلوها كسلاح ضد الشعب، والجهاز البيروقراطي يرفض السيطرة عليه ولا يقبل سوى منح بضع كوادر اخوانية مناصب فارغة المضمون وسط صفوفه، تأتي أقرب للمكافأت للكوادر الوسيطه منها لمحاولة حقيقيه للسيطرة على مفاصل الدوله.
إن النظام قدتخلى عن حسني مبارك وعصبته المقربه، ودفع للمقدمه بذراع أخر من اذرعته هم الاخوان المسلمين، الذي ظهر بوضوح وسرعة ضعفهم وهشاشتهم وفشلهم في فهم طبيعة اللعبه، وعجزهم عن إقامة تحالف سلطة مستقر مع إثارتهم لغضب الطبقات الشعبية برفعهم للأسعار وانهيار البنية التحتية والخدمات.
إن الاخوان ليسوا سوى حلقة من حلقات النظام الرأسمالي الإنتهازي العسكري البيروقراطي، وبقائهم أو سقوطهم تحدده قدرتهم على خلق أستقرارا إجتماعيا يبدوا عاجزين تماما عن الوصول إليه، وخلق تحالف سلطة موسع يبدوا عازفين عن تحقيقه، إنهم موضوعين ببساطة ما بين سندان سخط وغضب الشعب، وما بين مطرقة نفور وعداة النظام، إلا ان سقوطهم رغم حتميته لن يكون بالمهمة السهله، مع أنتهازية المعارضة الرسميه، وعجزها عن خلق بديل، وعجز المؤسسه العسكريه- المشلوله بصراعاتها الداخليه- عن خلق ذلك البديل، سيضطر النظام كلل لمساندتهم ضد اي هبات شعبيه لأنعدام البديل المقبول ولكونهم على اي حال جزءا أصيلا منه، خاصة أن الولايات المتحدة ما زالت تحيطهم برعايتها وقبولها رغم فشلهم التام كجزء من أستراتيجيتها لأخضاع دول الشرق الأوسط لحكم الإسلامم السياسي المعتدل تحت مظلة الهيمنة التركيه، وهي الخطه التي تبدو فاشلة حتى الأن في كلا من مصر وتونس لهشاشة التنظيم المنوط به الدور الأهم في تنفيذها، الأخوان المسلمين، النمر الورقي.

ياسر عبد القوي
الحركه الاشتراكيه التحرريه- مصرظ  

Saturday, August 25, 2012

الشبح الذي يسكن مشروع النهضه


ينشر هذا المقال  مترجما للفرنسيه في العدد القادم لمجلة 

التحررية الفرنسيه


 
من هو الرجل الأكثر تأثيرا ونفوذا في التوجهات الاقتصاديه لحكومة الاخوان المسلمين الحاكمة بمصر؟
قد يجد الكثيرون أجابة هذا السؤال سهلة أو حتى بديهيه، فيذكرون هذا القيادي أو ذاك من قيادات الاخوان المسلمين، إلا أن مثل تلك الإجابات ليست صحيحه، فالرجل الأكثر تأثيرا في السياسة الاقتصادية لحكومة الاخوان ليس قابعا في قصر الرئاسة، وليس واحدا من أعضاء مكتب إرشاد جماعة الاخوان المسلمين، ولا حتى واحدا من أعضاء وزارة هشام قنديل رئيس وزراء مرسي 
أول رئيس أخواني بالتاريخ.

تقول الأسطورة أنه يقبع في زنزانة بسجن طره الذي تم أعادة تأهيله لمستوى الخمس نجوم ليليق بنخبة من كبار رجالات عصر مبارك، وإن كان الكثيرون- وأنا منهم- يتشككون في وجوده بالسجن اصلا.
إنه جمال مبارك، الأبن الصغر للرئيس السابق حسني مبارك، والمتهم بعدة أتهامات مالية كالتلاعب بالبورصه، وهو قيد الحبس أنتظارا لمحاكمات تؤجل باستمرار، وهو الرجل الذي أعتبر رمزا لكل ماهو مكروه ومرفوض وفاسد وأستغلالي بنظام مبارك.
لكن كيف يؤثر جمال مبارك الطفل الذهبي  للنظام السابق على النظام الذي حملته لكرسي الحكم ثورة 25 يناير التي خرجت لاسقاط ذلك النظام؟

 كان جمال مبارك بصفته الأمين العام المساعد وأمين لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم قبل 25 يناير 2011 هو عراب ما سمي (الفكر الجديد) وهي حزمة غائمة التفاصيل أطلقها جمال مبارك ومجموعته من رجال الأعمال المسيطرين على النظام بعد أنتخابات الرئاسة 2005 كانت تعني اساسا التخلي عن البقية الباقيه من الرشاوي الإجتماعيه التي تقدمها الدوله مثل دعم السلع الغذائيه الأساسيه والكهرباء والمياه والوقود، وتبني أقتصادا ليبراليا يقوم على مبادىء الليبراليه الجديده التي تبنتها أدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دابليو بوش، مع التصدي بضراوة لاي تحركات عمالية أو شعبيه تقاوم أنحدار مستوياتها الحياتية – الرديئة أصلا- بسبب هذه السياسات الاقتصادية اليمينيه العنيفه.

أنك تستطيع أن تشتم رائحة جمال مبارك وفكره الجديد في تصريحات السادة الجدد من الأخوان المسلمين، والحكومة التي عينوها ، بل إنك لا تستطيع أن تتجاهل حضوره الطاغين فهاهو "حسن مالك" رجل الأعمال والقيادي الأخواني الشهير يصرح لوكالة رويترز بتاريخ 27 أكتوبر 2011 قائلا : (إن السياسات الاقتصادية التى كانت متبعة فى عهد الرئيس السابق حسنى مبارك كانت تسير فى الطريق الصحيح لكن شابها تفشى الفساد والمحسوبية.. يمكن أن نستفيد من القرارات الاقتصادية السابقة، عرف رشيد محمد رشيد جيدا كيف يجتذب الاستثمارات الأجنبية وكانت قراراته صائبة فى هذا الصدد) ورشيد محمد رشيد المذكور في حديثه هو رجل أعمال من عيار عالمي ووزير الصناعة والتجارة المصري في أواخر عهد حسني مبارك والذي اضطر للخروج هاربا من مصر في أواخر عام 2011 بعد أن طاردته أتهامات فساد عديده.

ويصرح خيرت الشاطر القيادي الأخواني الاقوى والذي يهمس الكثيرون بأنه الرئيس الحقيقي خلف محمد مرسي صرح في حوار لرويترز كذلك ان أن القطاع الخاص يجب أن يشارك فى مشاريع البنية التحتية كالمياه والكهرباء نظرا لعجز الدولة وهو الموقف الذي لم يتجرا نظام مبارك بكل فساده وميوله الراسمالية على تبنيه.

وفي الخامس من مايو الماضي حضر خيرت الشاطر دعوة غداء دعت إليها غرفة التجارة الأمريكية في فندق الفورسيزونز الفاخر بحي جاردن سيتي الارستقراطي بوسط القاهره، لمناقشة مشروع النهضه الإخواني وكان الشاطر عند حسن ظن مضيفيه فألقى كلمة أكد فيها التزامه بتعزيز الأسواق الحرة، والاستثمار الأجنبي والمصالح التجارية الأخرى، وكما صرح أعضاء بالغرفة التجارية الأمريكية فقد لاقت كلمته الكثير من الترحيب منهم.

أما وزير القوى العامله في حكومة الأخوان فقد اثبت توجهاته الاقتصادية في الأيام الاولى لتوليه منصبه بدفاعه عن عملية الخصخصه التي بدأها نظام مبارك في التسعينيات والتي كانت أكبر عملية نهب وأهدار للأصول المملوكة للدوله، وأكبر حملة تفكيك للقاعده الصناعيه المصريه.

هذه هي التصريحات، فماذا عن ما يحدث على الأرض فعلا؟

وزير الداخليه المصري بحكومة الأخوان يتباهى بأن قوات الأمن قامت بأستخدام القوة والغاز المسيل للدموع بفض خمس وقفات أحتجاجية مختلفة قام بها عمال يحتجون على سوء ظروف العمل أو مواطنون يحتجون على أنهيار الخدمات الأساسية، بل طورت وزارة الداخليه أدائها وأصبحت تعتقل بهدوء من تشك أنهم يحرضون على تلك الوقفات الاحتجاجيه، وهو ما تباهت به الوزارة في بيان رسمي أصدرته يوم 13 أغسطس، حيث أعتقلت 21 مواطنا في 48 ساعة فقط بتهمة التحريض على الأحتجاج السلمي.
إنها سياسة القمع المباركية نفسها تتم تحت مظلة صمت تام من القوى السياسيه التي طالما رفعت أصواتها أعتراضا على حكم مبارك، والتي أختارت أن تصمت تماما على تجاوزات نظام الأخوان.
شبح جمال مبارك وفكره الجديد يظهر في كل مكان

لكن هل كان ذلك الشاب – مواليد 1965- خريج الجامعة الأمريكية بالقاهرة والحاصل على ماجستير في أدارة الأعمال صاحب تلك القاعدة الفكرية التي تبناها النظام القديم ويتبناها حاليا النظام الجديد؟

للأجابة على هذا السؤال علينا أن نعود لجمال أخر، ابعد زمنا ومختلفا كثيرا، علينا أن نعود لجمال عبد الناصر، ربما يبدو الربط ما بين جمال عبد الناصر وجمال مبارك غريبا، إلا ان اولهما كان المنبع وثانيهما المصب، فعبد الناصر بعد أن فكك الراسمالية المصرية البدائية والتي كان استغلالها للعمال أسطوريا، أنشأ قاعدة أقتصادية ضخمة مملوكة للدوله لتكون قاعدة مشروعه القومي، هذه الملكية الحكومية الضخمة التي شملت كل النشاط الأقتصادي تقريبا بداية من مجمعات صناعية عملاقه وصولا لمحلات لبيع الساندوتشات، لم تنشىء فقط طبقية بيروقراطية عريضة ارتبط وجودها بالدولة وأثرت بتفشي الفساد في الجهاز الحكومي، بل أوجدت طبقة رأسمالية جديدة كان نموذجها القياسي هو (مقاول الباطن)، ذلك الديناصور الأقتصادي الحكومي الناصري خلق حوله الالاف من الكيانات الاقتصادية التي تعايشت عليه على شكل مقاولين باطن وموردين ومقدمين للخدمات ، وغالبا ما كانت الشركات الحكومية ليست أكثر من موزع للأعمال على مجموعة من الشركات الخاصة الأصغر التي تحصل على نصيبها الوافر من كعكة الارباح الحكومية، هذه الشبكة القوية من (مقاولين الباطن)، راكمت الأرباح وأسهمت في افساد البيروقراطية الحكومية على نطاق واسع، لكنها لم تجرؤ على على ابراز ثروتها خوفا من التأميم وحزمة القوانين التي أعتبرت اشتراكية وقتها.

إلا ان الزمن تغير، بوفاة ناصر وصعود السادات للحكم، بدا ما يطلق عليه سياسات الانفتاح الأقتصادي والتي كانت في الحقيقه فتح الباب للحالة الإستهلاكيه بالمفهوم الرأسمالي الغربي لتوفير الكماليات لطبقة جديدة راكمت ثروات طائلة في العصر الناصري، ولعل تعبير السادات نفسه يوحي بأهداف ذلك الأنفتاح : ( اقناع الناس باخراج النقود التي يخبئونها تحت البلاطه)، سيطر على هذا العصر رجال أعمال غير متعلمين غالبا يجمعون ما بين أنشطة شرعية واخرى لا شرعيه، وكان النشاط الغالب وقتها هو الأستيراد والأستثمار العقاري، إلا ان القاعدة الإقتصادية الحكومية لم تمس، فما زالت مصدر للإثراء ووسيلة لضخ أموال طائله في ساقية الراسمالية الطفيلية الناشئه.

مبارك كان عصرا مختلفا، وخاصة منذ بداية التسعينيات، بعد أن وصل تدفق أموال العاملين بالخليج لذروته، أنحسر دور رجال الأعمال الطفيليين ذوي المستوى التعليمي المنخفض- بعضهم كان أميا تماما- وحلت مرحلة رجال الأعمال الحاملين لدرجة الدكتوراه  الذين يعملون بأنشطة صناعية كوكلاء لماركات عالميه أو كموفرين لأحتياجات الأسواق العالميه من منتجات لا يرحب العالم المتقدم كثيرا بمصانعها مثل مصانع السيراميك والأسمنت وأسود الكربون، كما فتحت الابواب على مصراعيها للنشاط العقاري السياحي ، والمثير أن ذلك الجيل الجديد من رجال الأعمال يبدو كأنما ظهر من اللامكان دون اصول واضحه لثرواتهم الهائله، والبعض يهمس أنهم ليسوا سوى واجهات مصطنعه وأن المال هو مال كبار رجال الدوله تراكم عبر سنوات من الفساد وأستغلال النفوذ، تلك هي الحقبه التي فتحت فيها الأبواب على مصراعيها للرأسماليه العالميه لدخول السوق المصري ووضعت اساسيات الأقتصاد الراسمالي بتأسيس بورصة الاوراق الماليه، وأصدار حزمة قوانين تدعم رجال الأعمال والمستثمرين مانحة اياهم أعفاءات جمركية وضرائبية، ومانعة أنشاء نقابات عمالية في الشركات المنشأة طبقا لقانون الأستثمار، كان صعود جمال مبارك لمناصبه بالحزب الحاكم تتويجا لهذا التوجه، كان راس حربة لجيل جديد من رجال الأعمال، مرتبطين بالراسمالية العالمية بقوه، يمارسون أنشطة أقتصادية متعددة لا انتاجية في أغلبها كالمضاربة على العقارات والأتصالات وتجارة التجزئه والمضاربة على الأوراق الماليه، في هذا العصر بدا الصعود الكبير للأخوان كقوة أقتصادية، كجمعية خاصة لرجال أعمال ينشطون في الأستيراد وتجارة التجزئه وغسيل الأموال ، كانوا جزئا من الحقبه النيوليبرالية الجديدة بكل تفاصيلها، كانوا جزئا من النظام دخلوا مع رجال أعماله في مشاركات اقتصادية ، وتفاهمات سياسية، منحتهم 88 مقعدا في برلمان 2005، كما أخذوا نصيبهم الطبيعي من الصراعات والخسائر في بيئة اتسمت دائما بالعدوانيه والصراع المستمر ما بين الأجنحة المختلفة للنظام، وهو صراع لم يكن محوره أيدولوجيا بقدر ما كان اقتصاديا وعلى مناطق النفوذ، إلا أن صراعا كان يدور فعلا داخل النظام، وعلى اعلى مستوياته، كان صراعا ما بين الحرس القديم بقيادة مبارك نفسه ومجموعته التي ورث أغلبها عن الأتحاد الاشتراكي الناصري والتي كان يتساقط أعضائها واحدا تلو الأخر بسبب الصراع مع الجناح الجديد الذي كان واجهته جمال مبارك، الحرس القديم الأتي من الحقبة الناصرية لم يكن اقل أيمانا بالراسمالية، إلا أنه كان يدرك بخبرته أن خطوطا حمراء لا يجب أن تتجاوز، وان مكاسب أجتماعية لا يمكن إلغائها مهما تأكلت هي ما يمنع أنفجار الغضب الشعبي ليسقط النظام المتهالك بفعل تفشي الفساد فيه، بينما كان الحرس الجديد الوفي لاقصى حد للمفاهيم النيوليبرالية والمزهو بدرجات الدكتوراه التي يمتلكها أغلب أعضائه يرغب في القطيعة التامة مع الحقبة الناصرية، وفي تطبيق الحد الأقصى من اقتصاد السوق والغاء كل اشكال الدعم الحكومي، وتسليم البنيه التحتيه للقطاع الخاص كمنطقة جديدة للإستثمار، ونستطيع أن نجزم أن الأخوان كانوا في صف الحرس الجديد.

لم يكن في مخيلتنا ونحن نخرج للتظاهر يوم 25 يناير 2011، ونحن نخوض معارك الشوارع ضد وحشية الشرطة يوم 28 يناير، ولا ونحن نعتصم بالميدان أن خروجنا حسم الصراع ما بين الحرس القديم والجديد، وأن التيار النيوليبرالي منهمك في حسم معركته بقيادة الأخوان هذه المره الذين دخلوا في سلسلة طويلة من التحالفات والمناورات السياسية مع المؤسسة العسكريه، تضمن لكلا الطرفين نصيبه المفضل من الكعكه، وتضمن سيطرة تامة للجناح الأكثر يمنية سواء العسكري أو المدني السيطرة المطلقة على أقطاعيته الاقتصاديه.

طبعا لا ننسى ذكر أن النيابة العامة قد تصالحت منذ أسابيع قليلة مع جمال مبارك في أحد قضايا الفساد المتهم فيها وأسقطت عنه التهمة مقابل غرامة قدرت بالمليارات، ولا نشك أن تصالحات أخرى في الطريق قد تبيض صفحته تماما، بينما تتناثر من بين صفوف قيادات الأخوان رسائل الايحاء بإمكانية التصالح مع رجال أعمال النظام القديم خاصة المجموعة التي كانت أكثر ألتصاقا بجمال مبارك، مما يتيح لهم تبييض صفحتهم والعودة لنشاطهم الطبيعي داخل صفوف مشروع الفكر الجديد الذي اصبح اسمه (مشروع النهضه) ولعلنا لو أستمر هذا المسار دون معوقات، أن نرى السيد جمال مبارك يعود ليتبوأ موقعا ساميا كخبير اقتصادي ورجل أعمال بين صفوف حكومة الأخوان المسلمين.

ياسر عبد القوي
الحركة الاشتراكية التحررية- مصر

Monday, August 13, 2012

إنها نفس الدوله...يا غبي

الله أكبر، ولله الحمد
الله أكبر أن من علينا برئيس مدني يسقط حكم العسكر
ولله الحمد أن سقط حكم العسكر وانتهت الدوله العميقه على يد الرئيس المنتخب بالاراده الشعبيه

يمكنك أن تبتلع تلك القطايفايه الجميله المقدمه من محل حلويات الإعلام المصري بالمشاركة مع شبكة إعلام الناشطين المصريين على الشبكات الإجتماعيه، وتحمد ربنا وتنام، أو يمكنك أن تأتي معي لندخل المطبخ لنرى كيف صنعت تلك القطايف، ولا أعدك أن ما ستراه 
قد يعجبك.

أولا : ما الذي حدث؟
هل أنقلب مرسي على طنطاوي؟ هل كونت أمريكا حلف ما بين السيسي والعصار وماميش لقلب طنطاوي؟ هل ملوت قطر الأنقلاب؟، هل أعتقل طنطاوي وعنان؟...هل؟ أين؟ كيف؟ لماذا؟
سيغرقونك بالاسئله
في لعبة الإخفاء التي تمارسها كل الكائنات الحيه هناك طريقتان لارباك الخصم

الأولى: أن تختفي جيدا جدا بحيث لا يحصل الخصم على اي معلومات نهائيا عنك ويبقى في جهل مطبق وظلام تام، وهي لعبة جيدة ،،  
الحقيقه إلا أنها خطره، فأنعدام أي معلومات يثير الفضول ويحفز على المزيد من البحث والتقصي 
وفي النهاية لا يوجد نظام محكم ولا أمن بنسبة مطلقه، ستنكشف أجلا أو عاجلا.

الثانيه على عكس الأولى تماما، إنها ببساطه أغراق الخصم بالمعلومات، تقديم كم هائل ومتناقض ولا نهائي من المعلومات يختلط فيها الواقعي بالخيالي والمزيف بالحقيقي، مما يربك الخصم ويجعله يفقد طريقه، ويتشكك في اي معلومه حتى تلك الحقيقيه التي قد تتسرب إليه.

ونحن نواجه النوع الثاني، الإغراق في البيانات، الأغراق لحد الإجهاد وأيصال بروسيسور العقل الجمعي المصري لدرجة التهنيج والشلل، وهي لعبه سهله جدا في مصر التي يتعبر (الفتي) فيها الرياضة الشعبية الأولى، فيكفي أن يعرف شخصا شخصا اخر له صديق مجند في مطبخ وحدة إشاره حتى يغرق التايم لاين بأن مصدرا قال له كذا وكيت.

لنترك خفايا ما حدث للمؤرخين الذين يبحثون عن ملء كتبهم، وللصحفيين الذين يبحثون عن ملء صفحات جرائدهم، ثم ما الذي سنستفيده من معرفة تلك الخفايا؟ نحن فعلا نعرف كل ما نحتاجه

1- أمريكا لها سيطرة عليا على القرار في مصر؟ تلك بديهيه يعرفها اي طفل بالشرق الأوسط، حتى إذا كان كبريائك الوطني المتضخم بفعل الألتهاب الثوري قد يرفض ذلك فتلك حقيقة لا يجرؤ أحد على نكرانها.

2-أموال الخليج تلعب دورا اساسيا في الحراك السياسي والثقافي والفكري والاقتصادي في مصر خدمة لمصالح الإمبرياليه العالميه؟ طبعا، ومنذ خلق الاستعمار البترودولار وهي تفعل ذلك، ام تظن أن تلك الكتل الهائله من المليارات التي تتراكم حولنا لا تمتلك قوة جاذبية كافيه للتأثير عليك ؟

3- الجيش المصري قد ينقلب على قياداته؟ الجيش المصري منذ زمن طويل يعاني من مشكلة عميقه بخصوص ولاءاته، هو ليس جيشا مؤسسيا في الحقيقه كالجيوش الحديثه، بل بقيت فيه بقية لم يتخلص منها من جيوش المماليك والإنكشارية القديمه، ولاءاته تتأرجح ما بين الولاء الشخصي لكبار الظباط وما بين الولاء لمصالحه المباشره، تأمل معي الجيش الذي نقل ولائه خلال 60 عاما من الملك فاروق إلى محمد نجيب ثم لجمال عبد الناصر، ثم لعبد الحكيم عامر، ثم لناصر مرة أخرى، ثم للسادات، ثم قتل السادات، ومنح ولائه لأبو غزاله ثم لمبارك، ثم انقلب على مبارك وعلى الشعب، والحقيقه أتمنى أن الجيش المصري قد أنهى رحلة مراهقته العاطفيه بأعلان ولائه المطلق لمصالحه الأقتصاديه وكفى.

4-  الأخوان بسيطرون على مفاصل الدوله؟؟  ومتى كان الأخوان خارج مفاصل الدوله؟ دعك من هراء معارضة أنتهازيه كانت تتأرجح كالبندول ما بين مبارك والمرشد، وتروج أن الأخوان معارضة وطنيه، الاخوان كانوا دائما جزءا من دولة مبارك ونظامه، ومثلهم كمثل كل عناصر دولة مبارك دخلوا في تحالفات وصراعات، وكسبوا أحيانا، وخسروا أحيانا أخرى، مثلهم كمثل كل أجنحة النظام الإقطاعي المافياوي الذي أنشأه مبارك وطوره عن دولة السادات وناصر، الأخوان كانوا دائما جزئا من اللعبه، من الصفقه، من الكتله الحاكمه، كان لهم سياسييهم وقضاتهم ورجال أعمالهم وظباطهم وجنرالاتهم، بل وحتى ممثليهم في لجنة السياسات

5- الجيش لن يتصدى للأخوان؟ الحقيقه أن الجيش قد يتصدى للأخوان وقد ينقلب على مرسي كما أنقلب على مبارك بشرط أن يهترأ النظام ويصبح بقائه خطرا على استقرار دولة الجيش العميقة الخفيه التي هي المسيطر الفعلي على مصر المحروسه، الحقيقه أنه لو قامت ثورة للملحدين  وبلغت قوة الحسم فسيخرج الجيش لدك المساجد والكنائس وجنوده يهتفون : الله اكبر، كما كانوا يهتفون وهم يسحقون الثوار، ثوار الثوره التي حماها الجيش 

هذه هي الحقيقه الصلبه التي بين ايدينا:

1- الدوله يسيطر عليها تنظيم سياسي لرجال الأعمال واصحاب النفوذ، سيستوعب بسرعة بقية رجال الأعمال وأصحاب النفوذ الذين خارجه وهو قد بدأ فعلا مغازلتهم من شهور

2- الجيش يمتلك استقلالية مطلقة كدولة مستقله القرار السياسي تسيطر على 40% من الناتج القومي المصري وعلى أغلبية اراضي مصر المحروسه بعقود ملكية مسجلة في الشهر العقاري لا يمكن الطعن فيها ولا إسقاطها

3- التحالف المدني العسكري يتبنى الراسمالية كموقف استراتيجي نهائي بأكثر اشكالها نيو ليبرالية وضراوة وهو يعلن ذلك بصراحة ووضوح ويعلن أن أي تحركات عمالية هي جريمة ضد الدوله، مش مصدقني؟ راجع تصريحات وزير الدفاع السيسي وتصريحات قيادات الأخوان

4- الدولة المصرية القمعية الفاسده قائمه بكل جبروتها وقوتها وشرطتها وجيشها  وأجهزتها الأمنيه والمخابراتيه مستعدة لقمع اي معارضة، بعد أن تخلصت من أجزائها الأضعف، وجددت شبابها وتروسها

5- المعارضة المصريه أعلنت ولائها التام للنظام  وخيانتها التامة للشعب، وهي في صف النظام الراسمالي القمعي المسلح بالفاشيه الدينيه، تتساوى في ذلك معارضة تدعى الليبراليه أو أخرى تنتحل الاشتراكيه والثوريه

6- الدوله المصريه في اشتباك مع منظمات أرهابيه ساهمت هي في صنعها وقتما كانت جزئا من التحالف الأمريكي الواسع ضد الشيوعيه في السبعينات والثمانينيات.

ماذا يشبه هذا؟
إنها مصر في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات
 إنها نفس الدولة مرة أخرى تقريبا مع تعديلات طفيفه لا تمس الجوهر
دولة مبارك برئاسة محمد مرسي وبقيادة حزب الحرية والعدالة الوطني الديموقراطي.

Monday, April 30, 2012

للحقيقه..لا لأبو الفتوح


مدخل:
دائما ما تعجبت لماذا يربي الفلاح المصري البقرة البلدي، مع توفر البدائل طبعا، فهي بقره أشبه بالغزال، جميله ورقيقة الأطراف، وسيمة الوجه، قليلة اللحم، ضعيفة أنتاج الحليب، تلد عجلا بحجم كلب متوسط- بتعبير الفلاحين أنفسهم-فلماذا يربونها، ويحرصون على تربيتها؟ 
الإجابة جاءت من صديق يعمل بالزراع، قال لي : أنت شايف البقرة قدامها أيه؟ كان ما تأكله البقرة بشهية شيء يشبه عريش الثوم الجاف لولا أن لونه أقرب للرمادي، سألته متعجبا: أيه ده؟ فأجاب : ده الدريس، وهو البرسيم المجفف، وبتعبيره :" عارف لو ده أتقدم لبقره فريزيان ولا شورت هورن والله تتفه في وشه، لكن البقر البلدي بيرضى بقليله، والفلاح بيضحك عليها بشوية الدريس دول".

متن:
طبعا هذه التدوينه ليست في الزراعة ولا تربية المواشي، إنها عن شيء مختلف نوعا ما، إنها عن المثقفين الليبراليين والتقدميين التنويريين الذين يعلنون بكل شجاعة وفخر دعمهم للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيسا لمصر الثورة، إنها محاولة لفهم لماذا تدعم الكتلة المثقفة الليبرالية التقدمية شخصا أتى من الجماعة الإسلامية لينضم للإخوان المسلمين قياديا بارزا لثلاثة عقود، وهو انتماء فكري لا ينكره الرجل ولا يتنصل منه، بل نزيد على ذلك أنه مؤخرا حصل على دعم دهاقنة وكهنة التيار السلفي المغرق في يمينيته ورجعيته، ورغم ذلك ما زالت الكتلة الثقافية ال...إلخ راسخة في دعمها له،
لماذا؟
بعض الشخصيات سيئة الطوية، خبيثة الروح قد تسارع للإجابة: أنهم مرتشون تم شرائهم بالمال – وهو وفير- أو بوعود بمناصب – وهي مربحه- إلا أنني في الحقيقة شخص جبل على حسن الظن بالناس والبعد عن اتهامهم بالباطل، وطعنهم بالظن، وعليه فإنني أدعوكم لمسايرتي في هذه الرحلة الذهنية للبحث عن إجابة حقيقيه لهذا السؤال:
لماذا يدعم المثقفون ال...إلخ عبد المنعم أبو الفتوح رئيسا للجمهورية؟

في البدء أحب أن نتعرف على هذه السلالة البشرية المميزة (المثقف المصري التقدمي ال..إلخ)، إنهم بشر مثلنا، يأكلون الخبز ويشربون الشاي والقهوة ويمشون في الأسواق، وعلى عكس الفكرة الشائعة أن المثقفين هم جماعة من الصيع والمتسكعين الذين بلا شغله ولا مشغله، فأغلبهم لهم وظائف ومناصب وأعمال مشروعه يتقاضون عنها رواتب غالبا مجزيه، نعم عزيزي القارىء، هم ليسوا أهل صياعة وصعلكة ، بل أهل وظائف ومناصب، فوزارة الثقافة تكتظ بهم كما يكتظ الميكروباص بركابه ساعة الظهيرة، وهم ينتشرون فيها بأعداد وفيرة بدئا من الثقافة الجماهيرية وصولا للمجالس العليا والقومية لأي حاجه على ورق، كما أنهم يتكدسون تكدسا ملحوظا في دور النشر القومية وبالتحديد في مطبوعاتها الصغرى ومنشوراتها الفرعية، كما أنهم يحتلون بشكل كامل ومطلق ذلك المجال البيئي المسمى (منظمات المجتمع المدني ) حيث يظهر بعضهم طفرة تطورية متحولا من (مثقف) إلى (ناشط).
إذا ما الذي يدفعهم لدعم أبو الفتوح؟
الحقيقة أرى أن الأمر يبدأ مع البرادعي – من الصعب التخلص من هذا الشخص-  فقد كان البرادعي أبا روحيا لهم جميعا، فهو الزعيم المعارض النموذجي الذي يحمل كل الصفات المناسبة ليكون (مسيح) التغيير في مصر، فهو أرستقراطي الانتماء، يزين ما قبل اسمه بدال الدكتره – وهي رمز سحري يمنح الحماية لصاحبه من النقد ويضفي القداسة على أي كلام بيقوله- فهو إذا من النخبة والصفوة، ابن ناس يعني، وهو يتحدث عن التغيير لا الثورة، إصلاح الوضع القائم لا قلبه وتغييره جذريا وهو الأمر الذي لا تحمد عواقبه، فربما تؤدي الثورة لظهور نظام جديد تماما يغير قواعد اللعبة فيجد هؤلاء المثقفون أنفسهم في الشارع وقد خسروا مناصبهم ورواتبهم، وهو يطرح وسائل نضاليه (شيك) وقوره، بنت ناس برضه، كالدوران على البيوت بعريضة لطلب التوقيع عليها، حاجه كده خفيفة ظريفه بنت ناس، الجمعية المصرية للتغيير، كلهم ولاد ناس وبني أدمين شيك، ودكاتره ومستشارين وسفراء سابقين، نخبه، نخبه يعني، شىء يفرح والله
لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، ومسيح التغيير يقرر التنحي عن السباق، أتخيل هنا المشهد الكلاسيكي الشهير من فيلم (الخطايا) حين يقف عبد الحليم بعينين بليلتين ونفس مقطوع أمام عماد حمدي هامسا : يعني أنت مش أبويا؟ ثم يركض ليقف أمام مديحه يسري متسائلا: يعني أنتي مش أمي؟ يعني أنت يا عمو الدكتور البرادعي مش حتبقى مرشحنا للرئاسه بتاع التغيير؟
أنزل لي هنا بمزيكه حزايني ومشهد ليلي وضي القناديل...إلخ
طيب فين البديل؟
ايه الحل؟
عمرو موسى؟ حيديها استقرار برضه والمراكب السايره حتفضل سايره، ومناصبنا ومرتباتنا ماشيه، وأنجر الفته حيفضل مليان، لكن ده فلول وأحنا مثقفين تقدميين وثوريين قوي...أوعى وشك، ما ينفعش، لو دعمناه حنتفضح، وشوية العيال أللي بيشتروا كتبنا التافهه وبيعملوا لنا لايك ع الفايس وفولوينج ع التويتر حيقطعونا بلسانتهم الفالته، وتبوظ السبوبه
طيب مين؟
خالد علي؟
بلاش هزار والنبي
حمدين؟
رهان خسران وحنلبس في الحيط
أبو الفتوح، أيوه أبو الفتوح، مدني، ليبرالي، ديموقراطي، ميول يساريه، عبي عبي ، شيل شيل ، أحمدك يارب
لكن ابو الفتوح ليس مدنيا ولا ليبراليا ولا يساريا، ابو الفتوح يمين ديني رأسمالي الهوى سلفي الجذور، طيب كيف يقبلونه؟
نعود هنا لبقرتنا البلدي التي تركناها تنعم بدريسها، فاكرينها؟
مثقفنا المصري، هو مثقف بلدي، نبت هذه الأرض الطيبه مثله كمثل البقرة البلدي، يرضى بقليله ، بينضحك عليه وبيتراضى بكوم دريس جاف مافيهوش طعم ولا قيمه غذائية ومترب وكله شوائب، أبو الفتوح يرمي هنا وهناك إشارات ضعيفة تكاد لا تلحظها العين المجردة عن أنه ليبرالي محافظ، مدني بمرجعيه دينيه، رأسمالي بهوى يساري، شغال أهوه، سيب أللي ما تنفعكش وخد اللي تنفعك، وكله ماشي، شغال يا عم، وحنأكلها للناس، أقلش والعب الكلام وحنبرر موقفنا وندافع عنه، أمال حنخربها بثوره وزفت، الواحد طلع روايتين واقعين مشوا في السوق وبيزنجف التالته، وبينخع له مقاله جوفاء الروح من حين لأخر والحياه صعبه يا صاحبي والجنيه بقى عزيز، خلينا نرزق ونستقر
بالهنا والشفا عليكوا ابو الفتوح، صحيح كل روح ربنا محلي لها لقمتها.

Wednesday, April 21, 2010

مراجعات....1-؟ أسود وآكلات جيف



ربما علي أن أبدأ هذه المدونة بأعتذار، بل ربما بحزمة من الإعتذارات، أولا للقلة الوفية من قرائي الذين أخلفت وعودي لهم وأطلت الغياب عن المدونه وثانيا للقراء الذين أنتظروا الجزء الثاني من التدونية السابقه ( نصل أوكام البتار) وطال أنتظارهم، وثالثا : للأعزاء الذين شرفوا مدونتي بتعليقاتهم ولم أجيب تعليقاتهم سوى بالصمت، ورابعا لكل الرءوس الخاوية الفاشية التي لوثت مدونتي بتعليقاتها الرديئة غير الإنسانيه على تدوينتي السابقة حول الصراع الكروي المصري الجزائري التافه، تلك هي إعتذاراتي وأرجو قبولها.

لماذا الصمت؟
أحيانا تصمت لأنك لا تجد ما تقوله، أو لأنك غير راغب في التواصل، أو ...لأنك تخشى الأفكار التي في رأسك أن تتحول لكلمات وتكتسب حياتها الخاصة، لأنك تدرك كم أفكارك تخيفك، فكيف إن أكتست لحم ودم الكلمات؟

أنا صمت أولا لأنني أحسست بوطأة حتمية إكمال تدوينة (نصل أوكام البتار) بينما تجاوزها عقلي بمسافات شاسعه، وأصدقكم القول أنني أعملت نصل أوكام على التدوينة فوجدت أن الأصوب هو عدم إكمالها، فالقضية التي كانت تناقشها هي قضية جزئية جدا، كما أنها قضية بسيطة لأقصى حد، قضية أقتصادية تجارية في أصلها وفروعها، قضية من يمتلكون المال ويشترون به الوجاهة الإجتماعية المصاحبة لكلمة (أديب) أو صاحب كتاب، وكما أن الطلب يخلق السوق، فقد تلقاهم جمع من (منتجي الكتب) أو (سماسرة الطباعه) وأنتهى الموضوع، فلا معنى ولا هدف ولا قيمة، فقط ليس إلا

السيرك السياسي:
لا أخفي أنني أستمتع بما يجرى من ألاعيب سياسية في هذا الوطن المصاب في صفوته، تلك الألاعيب التي تكاد تستحيل سيركا متكاملا لا ينقصه سوى الخيمة، إلا أنه ليس بالسيرك المسلي، فهو كثير المهرجين يعتمد على لاعبين من الهواة والمتقاعدين لا يسلون ولا يبرعون، أتسائل هل علي أن أدلو بدلوي في هذه الهستيريا التي يلتف فيها بقايا الطبقة المتوسطة المتحللة في تحالف مع بقايا المهرجين السياسيين وتجار الشعارات حول راية (البرادعي) ذلك المجهول الأتي من منظمة دولية بيروقراطية والذي قرر تسلية تقاعده بلعبة السياسة بدلا من لعب الطاوله في النادي تحت الشمسيه، والذي لم يقدم برنامجا سياسيا ولا خطة عمل ألهم إلا المطالبة (النخبويه) بتعديل مواد في دستور هو بالحقيقة مسخ مشوه وسخف مقيم لا يستحق سوى الإلغاء بكليته وتحويل نسخه لقراطيس ترمس وتسالي.

من أين نبدأ؟
نبدأ من الشيء الأكثر أساسية وحتميه، من العروس التي يطلب الجميع ودها، ومن الجائزة الكبرى التي يسعى الجميع إليها، نبدأ من (الوطن) ، هل يختلف اثنان على (الوطن)؟ ، وأننا جميعا مواطنوه وأبنائه وأننا جميعا نعيش تحت ظله ؟ تلك يا أعزائي، فكرة ميتافيزيقة زائفه، ووهم أسطوري سخيف مثله كمثل الغول والعنقاء والسياسي الشريف، الوطن فكرة صورية رمزية زائفه، ذلك المكان الذي تتوحد فيه مصالحنا جميعا، وتتلاقى أمالنا كلنا، هو مكان لا وجود له، لأن مصر ليست واحده، والمصريون كأمة لا تتحد مصالحهم ولا تتطابق ، ومصر ليست واحده، بل عدة وكثره، فمصر بورتومارينا ليست مصر القرى الصغيرة، ومصر قصور الرحاب وفلل شرم الشيخ ليست مصر الحواري والعشوائيات، ووطن الذين يملئون أحواض السباحة في قصورهم، ليس وطن الذين يملئون الجراكن من التنكات ليجدوا ما يصنعوا به شايهم الأسود المغلي، هؤلاء لا يتفقون مع هؤلاء ولا يتحدون معهم لا في مطلب ولا في طموح، تلك دول مختلفة وإن جمعها حيزمكاني مختلف، وعصور متفاوتة وإن جمعها حيز زمني واحد
لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ ببساطة الإنقسام الطبقي؟ ببساطة التناقض بين من يملكون كل شىء ومن لا يملكون أي شىء؟
الحق أقول لكم أني لا أرى الأمر بهذه البساطة، وهو ما يصل بنا للسؤال الذي حارت فيه البرية
لماذا يبقى هذا الكيان السياسي الحاكم لمصر باقيا ومستقرا؟ لماذا لا يسقط؟ لماذا لم يسقط؟
من السذاجة والغفلة أو من سوء الطوية والخبث أن نعتقد أن ذلك الكيان الحاكم يقف وحيدا بذاته، فالكيان الحاكم ليس الرئيس وعائلة الرئيس وحواريي الرئيس وأتباعه وكبار رأسمالييه وكبار مسئوليه، هؤلاء هم قمة جبل الجليد فقط، لو أستعرنا المثل من الطبيعة فمثلهم كمثل قطيع السود الصيادة، لكن الطبيعة تعلمنا أن قطيع الاسود يعيل خلفه - دون قصد- قطعان من أبناء أوى ونسور الجيف وخنافس الجثث وذباب اللحم وأنواع عديدة من النمل، وإن كان الأسود عدد قليل فأتباعهم لا حصر لهم، وهم يعتمدون في حياتهم ومعيشتهم على ما تقتله الأسود وتصطاده، الكيان الحاكم في مصر مع ما يعتريه ويصمه من ضعف وهزال وتراخي وفساد وجبن وغباء وسوء تصرف لا يقف وحيدا، بل يدعمه الملايين من اشباهه والمنتفعين منه والعائشين عليه، ليس الكبار، بل الصغار، ملايين منهم لا عيش ولا أزدهار لهم إلا بوجود ذلك الفساد الفاشل الحاكم، مئات الالاف من المصريين يحتلون وظائف كبيرة أو صغيرة في أجهزة ومؤسسات سيادية أو غير سياديه، ذات مهابة أو شموخ أو خطوط حمراء، يستمتعون بنفوذ يمكنهم من بحبوحة العيش وضمان وظائف الأبناء ، أو بفساد عام يجعل المال يتدفق في أيديهم فيتباهون بالشقق والسيارات والأملاك التي لا يمكن أن تبررها دخولهم المحدوده، السلطان ليس قوي بذاته، السلطان قوي بقدر أمرائه والأمير قوي بقدر مقدميه والمقدم قوي بقدر مماليكه والمملوك قوي بقدر ما يجتمع حوله من جرابيع وزعر وحرافيش ومنتفعين، عمارة كاملة وأمة فرعية قائمة بذاتها من المنتفعين بوجود هذا الكيان الحاكم، هؤلاء هم العدو وليس الرئيس ولا الوزير ولا الراسمالي الكبير، هؤلاء هم جيش الظلام وأتباع الفساد، هؤلاء هم من يبقون هذا الكيان حيا ومحميا، وهم من سيدافعون عنه بكل شراسة وقسوه وإستماته، ، لكل فاسد كبير الف فاسد صغير يقتاتون من مائدته، ولكل لص كبير الف لص صغير يسيرون في معيته

هل أعطيكم أمثله؟ الصيادله الذين يبيعون الدواء بأضعاف سعره هل سيقببلون نظاما يسعر الأدويه ويحرمهم من مكاسبهم؟ الأطباء الكبار الذين يعملون مندوبين لشركات الأدوية ويبنون مستشفيات لا ترقى للحد الأدنى من القواعد المنظمة لبناء المؤسسات الصحيه هل سيقبلون نظاما يضع حدا لجشعهم؟ ألاف الموظفين الذين يستمتعون بما يفيض عليهم من تفشي الفساد هل سيقبلون نظاما يحرمهم من فسادهم؟ أصحاب الهيبة والشموخ الذين يستفيدون من نفوذ لا مبررات له ويسيرون في الأرض كالملوك صانعين من نفوذهم وشموخهم تجارة ومكاسب ووظائف للأنجال هل يمكن أن يدعموا نظاما يحرمهم من ذلك النفوذ؟أصحاب محلات البقاله الذين يبيعون سلعا غذائية رديئة وغير صحية بربح فاحش هل نتخيل أن يقبلوا نظاما يطبق عليهم قوانين الرقابة الصحية والتسعيرة الجبريه؟

قد تطول قائمة الأمثله لتصبح صفحات عديده، لكن هؤلاء هم الكيان الحاكم، ملايين الصغار الذين يستفيدون من فساد وفشل الكبار، ملايين الخنافس التي تنهش بقايا صيد الاسود
لذلك يبقى ذلك الكيان الحاكم، لأن له شعبا يحميه وأمة تذود عنه، أمة تقتات على الفساد وتعيش على الخراب
أمة ليست مصر وليس ابنائها مصريون، أمة أخرى هي العدو، العدو الذي يعيش بيننا ووسطنا ومعنا
وتلك هي الأمة التي يجب هزيمتها وسحقها حتى لو لا نريد، حتى لو لا نتخيل ذلك، لأنه حين يحدق الخطر الحقيقي بالكيان الحاكم

لكن حتى هؤلاء يرفعون اصواتهم بالرفض والرغبة في التغيير، فلم؟
لأن الأسود أصبحت أكثر شراهة وأصبح لأبناء آوى كروشا أكبر فلم يعد يبقى لنسور الجيف وما خلفها من خنافس وذباب القدر الكافي من الفتات، هم يريدون عدالة أكثر في توزيع نواتج الفساد، يعرفون أن جشع الاسود الجنوني سيدمر المنظومة كلها وقد يطيح بالجميع من أكبر أسد لأصغر ذبابة جيف.
لكن من الفريق الأخر؟ من الأمة الحقيقية والشعب الأصلي؟
أنه نحن من نقوم مقام الفرائس، الذين ينهش لحمنا ليل نهار، من لا نصيب لنا في جمهورية الفساد، نحن الشرفاء الذين نعمل ونكد لينهش الفساد كل ما نجنيه، نحن من نرى الوطن يموت ببطء مؤلم تحت وطأة جيوش الخنافس والذباب النهاشه بينما يفتح اللصوص الكبار جروحا جديدة في جسده وينهشون ما تبقى من فيه من حياه، نحن ضحايا كل الأخرين
.
أنمساخ الفعل السياسي
عودة للسيرك السياسي، هذه المرة هو البرادعي، ومن قبل كان أيمن نور وما بينهما ذكر عمرو موسى مع حفنة من المهرجين والأرجوزات السياسيين الذين يقدمون عرضا جانبيا مزينا للعرض الكبير، هؤلاء مرشحين الكيان الحاكم، التغيير، أليس ذلك هو المطلب؟ ماذا يعني التغيير؟ عمرة محرك للسيارة المتهالكة القديمة، نزيل بضع أجزاء ونضع أخرى، نربط مسمارا سائبا هنا وصامولة مكسورة هناك وتبقى نفس السيارة الخردة لتعمل عقود أخرى، نطيح بالراس القديم البشع ونضع راسا جديدا لامعا، نطيح بواحد هنا ووراحد هناك، نخدر الضحايا ببضع مكاسب وإصلاحات، نعيد تنظيم توزيع نتاج الفساد والأنتهازية والإستغلال لنرضي الأتباع ونزيد من المماليك والعبيد ونجدد ولائهم، ويبقى كل شىء كما هو، تبقى أمة الفساد قائمه وكبار المستغلين في نعمه، وصغار الفاسدين والنهاشين في بحبوحه
والكل سعيد وراضي فقد (غيرنا) وأطحنا بالرئيس القديم وأتينا برئيس (أستعمال خارج) عاوزين أيه أكتر من كده؟


في هذا الزمن العجيب الذي نعيشه شهدنا تطورات مثيرة للتأمل، أو في الحقيقة أنمساخات وإنحدارت مدهشه، فأنقرض (الكاتب) ليحل مكانه (المدون)، وتلاشى السياسي والحزبي) ليحل محلهما (الناشط) وأخترع لنا تعبير (التغيير) ليحل محل اي كلام عن الإصلاح كأتجاه يميني أو (الثورة) كتوجه يساري، فقط التغيير، كأننا مللنا ونريد أن نغير، فقط وكأن الأمر كله معاناة من الملل، تعبير مخصي ومنزوع المعنى والهدف، تعبير هلامي مصطنع لا معنى له، هو ما تريده الأمة الأخرى وما يسعى الكيان الحاكم إليه، دعكم من الإصلاح فهو موضة قديمه، وأنسوا الثورة فقد عفا عليها الزمن هذا زمن التغيير

لكن القادم لمصر ليس تغييرا ولا إصلاحا ولا حتى ثوره
القادم لمصر أمر أخر، لا تنطق الألسنة باسمه خوفا ولا يخطر على القلوب فرقا منه.

وإلى الأحد القادم.