Thursday, July 26, 2007

حلم العودة -1


عجيب

أن أجلس على مكتبي في العمل بدبي محدقا مرة أخرى من النافذة الزجاجية الهائلة نحو البنايات الزجاجية التي تحرقها الشمس التنين الخاصة بدبي.

هل ذهبت فعلا للإسكندرية وعدت منها قبل ما يقل عن أسبوعين؟

خاطفة كانت الرحلة، فلم أكد أمضي بضعة أيام حتى سافرت لدولة أخرى لأقضي بها ايام قلائل وأعود لأبقى 3 أيام فقط ثم أغادر عائدا إلى أرض المكعبات البلاستيكية التي تظن نفسها (مدينه)، طبعا أنا لن ارتاب بقواي العقلية

فأنا فعلا ذهبت ووصلت الإسكندرية وجلست على الكورنيش ومشيت بشوارعها.

حقيقة فعلت

ختم الجوازات على جواز سفري يثبت ذلك

ولدي صور فوتوغرافية وتسجيلات فيديو تثبت ذلك

أنا كنت هناك

هي التي لم تكن

لذلك لم أحدث أحد أبدا عن رحلتي إلى الإسكندرية، ولا حتى المرأة التي أحب وأعشق أكثر من الحياة

لأني ببساطة لم استطع

وهو نفس السبب الذي تأخرت فيه عن الكتابة عن الرحلة

ذلك الشيء العجيب الذي حدث

أنا ذهبت للإسكندرية وهي لم تكن موجودة

أستنوا بس

أنا لم أجن

كانت الشوارع موجودة والبنايات والبحر والتاكسي الأصفر وتورماي البلد، حتى جرسونات المقهى لم يتغيروا

لكن هي لم تكن موجودة

الأسكندرية التي عشقنا أنا وهي بعضينا طوال حياتي لم تكن موجودة

كانت مدينة تشبهها تماما

تطابقها في كل تفصيلية لكنها لم تكن هي

كيف؟

لا اعلم

طيب نبدأ الحكايه من الأول؟

نبدأ

ذلك الصباح كان كل شىء يبدو جميلا ومنتظما، لم أنم سوى ساعتين والصديق الذي أوصلني كخدمة منه كان مكيف سيارته معطلا وأخذ مني ثمن البنزين، لكن لا بأس، بالطبع توقعت أن رحلة العودة ستكون شبيهة برحلة الذهاب التي أستمتعت بها قبل أكثر من عام، لكن وكأن عفريت من الجن أو قرين من الشياطين يتلبس الرحلة وقد أسندت اليه مهمة أفسادها علي بداية من المقعد الردىء المواجه لحائط، هذا وأوجه شكر خاص للحاجه التي بحجم الخرتيت الحامل التي كانت تجلس على يساري وبواختها وأستمرارها في التشكي من ضيق الكرسي، وليها حق فهو مصمم للبشر وليس للأفيال، كما اشكر أبنتها القبيحه وحفيدتها النسناسة التي لم تتوقف عن الزن والعواء بلا سبب أللهم أعتراضا على أن هاتان المصيبتان هما أمها وجدتها، كما أتوجه بالشكر إلى الأخت التي كانت تجلس على يميني والتي لم يتوقف أبنها عن العويل والزن – برضه- وهي لم تفعل شيئا سوى التتنيح ببلاهة لنقطة وهمية أمامها، كما أشكر المضيفة المصرية التي لا يزيد مستواها عن مستوى الجرسونات بكافتريات الكورنيش، وتجاهلها لأغلب الركاب وتركيزها على الحاجه الخرتيتية التي طلعت من معارفها تقريبا، كما أشكر المضيف اللبناني البارد الغتت الذي تجاهل الجميع وجعلني أضطر للنبش في أرجاء الطائرة عن زجاجة مياه أبل بها ريقي.

حسنا بدأت الرحلة بداية سخيفة، حتى لحظة الأقلاع حيث أعشق رؤية الأرض لحظة أقلاع الطائرة قامت الحاجه الخرتيتية بأغلاق النافذة لحرماني منها، الخلاصة كانت رحلة رديئة فاسدة بدأت بأحباطي.

في الأسكندرية وللوهلة الأولى ورغم (شحتفة ) قلبي عليها إلا أن شيئا كان مختلفا.

لم اشعر بوجودها

لم تكن الأسكندرية

فقط كانت مدينة ضيقة الشوارع عتيقة المباني

مدينة على البحر صدف أنني أحفظ جيدا طريقي فيها إلا أنها ليست مدينتي

هل تعلمون ما الذي أتحدث عنه؟

لا

لا تعرفوا قدر الذعر والهلع والخوف والحيرة والوحدة والبرودة التي شعرت بها وقتها

أن أكون بوطني ولا اشعر انني بوطني

هل جئت فلم أجدها؟

أم أنني أنا الذي لم أتي ؟

هل جففت روحي المدن البلاستيكية؟

هل غضبت علي الأسكندرية لأني هجرتها؟ فلعنتني؟

قلت مرة قبل أزمنة الأرتحال : الأسكندرية سيدة المدن لا يخرج منها سوى ملعون

فهل اصبحت ملعونا؟

هل نسيت كل الليالي التي سرت فيها على كورنيشها أنصت لحكايات الأمواج؟

هل نسيت كل مرة فتحت فيها أزارار قميصي وعريت صدري لعنفوان النوة الغاضبة؟

هل نسيت كل التراتيل والصلوات التي أنشدت وسط قاعات ( كوم الشقافة) وأمام تماثيل الألهة القديمة؟

أم أنني أنا من نسيت؟

هل صرت شخصا أخر؟

هل مات الشعور بالسحر في قلبي؟

أم......

كان هذا هو السؤال الأكثر قسوة

هل لم تكن المدينة التي أحببت موجودة أبدا؟

هل أحببت وهما؟

عشقت أسكندرية خرافية ركبتها من التواريخ والحكايات القديمة وتوهمت أنها المدينة التي عشت بها، ثم جففت شمس الصحراء القاتلة وهمي وذرته الرياح؟

فأنا أعيش الحقيقة

ليست سوى مدينة كبيرة على البحر بلا سحر ولا مجد ولا أساطير

أهذا ممكن؟

عند وصولي لهذه النقطة كان الألم مخيفا، اصبحت عصبيا جدا ومكتئبا

أرجوكم لا تسيئوا فهمي

كنت في وطني ولم اشعر أنني بوطني

شعرت بأنني لم أعد بعد

شعرت بضياع رهيب

برعب لا حدود له

بخوف لا يوصف

إذا لم يكن وطني موجودا وأنا عليه فإلى اين المسير؟

إن رفضتني أرضي فأي أرض ستقلني؟

إن نبذتني مدينتي فأي مدينة ستقبلني؟

كنت أشعر بالذنب إضافة لذلك

بالذنب لأنني لا استطيع الشعور بأنني عدت لوطني

وطني الذي احسست بأنني عدت أليه في أخر مكان أتخيل أنني سأشعر فيه بذلك الشعور.

(يتبع)

4 comments:

ست ابوها said...

اول مرةازعل من بوست انت كتبته لانه بوست قاسى اوى احتمال العيب منك يمكن على رايك المدن البلاستيكة الجافة نسيتك اسكندريةاو يمكن البعيد عن العين بعيد عن القلب

LOVE said...

Away of Alexandria تحياتى لإبنى العزيز
تحياتى لك ولكل ألإسكندرانيه آكلى الكابوريا،وممصمصى الجميرى
عاوز أقولك على إحساسى الجديد إللى أصبح ملازمنى
تصور باحس إنى غريب ومش هيه دى مصر إللى قضيت فيها65سنه؟؟
كل شىء تغير،كل شىء تطور ولكن للأسوأ
هربت من القاهره لأعيش فى مدينه جديده..فيها الشوارع ملاكى تمشى أو تجرى أو تركب بسكليته كله متاح ومباح
من شهرين كنت فى زياره للقاهره ذهبت لواحد دكتور زميلنا ،بعد ماخلصت وياه وركبت المايكروباس حبيت أشوف بيت أولادى
أقسم لك ما عرفته علما بأنه على طريق فيصل؟؟؟
كل بيت له لون ،وعمارات لم أرها من قبل،والكل بيجرى ولم أعرف بيت أولادى من الزحمه؟؟
إحنا رايحين على فين يابنى؟؟؟

yasser said...

عزيزتي ست ابوها
لا تتعجلي
وأرجو أنك تغيري رايك بعد ما تقرى البوست الجديد

yasser said...

عزيزى LOVE ما يحدث بسيط
عاد أحفاد الهكسوس لأحتلال مصر
الهكسوس الجائعون كالجراد
المتوحشون كأسماك القرش
عادوا ليمزقوا الوطن ويحيلوه رمادا يشبه نهمهم اللانهائي